الحلبي

407

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

طعاما ، ثم قال لي ادع لي بني عبد المطلب ، فدعوت أربعين رجلا » الحديث ، ولا مانع من تكرر فعل ذلك ويجوز أن يكون عليّ فعل ذلك عند خديجة وجاء به إلى بيت أبي طالب ، ولعل جمعهم هذا كان متأخرا عن جمعهم مع غيرهم المتقدم ذكره ويشهد له السياق ، فعل ذلك حرصا على إسلام أهل بيته ، فلما دعا قومه ولم يردوا عليه ولم يجيبوه : أي وفي رواية : صار كفار قريش غير منكرين لما يقول فكان صلى اللّه عليه وسلم إذ مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه إن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء ، وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم : أي وسفه عقولهم وضلل آباءهم : أي حتى أنه مر يوما وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام ، فقال : « يا معشر قريش واللّه لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم ، فقالوا إنما نعبد الأصنام حبا للّه لتقربنا إلى اللّه فأنزل اللّه تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] فتناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم اللّه منهم ، وجاءوا إلى أبي طالب وقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وعقولنا ، ينسبنا إلى قلة العقل ، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يظهر دين اللّه ويدعو إليه لا يرده عن ذلك شيء ، وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله : ثم قام النبي يدعو إلى اللّه * وفي الكفر شدة وإباء أمما أشربت قلوبهم الكف * ر فداء الضلال فيهم عياء أي ثم قام صلى اللّه عليه وسلم يدعو جماعاتهم إلى اللّه تعالى بأن يقولوا لا إله إلا اللّه حسبما أمر ، فقد جاء أن جبريل تبدى له صلى اللّه عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة وقال : يا محمد إن اللّه يقرئك السلام ، ويقول لك : أنت رسول اللّه إلى الجن والإنس ، فادعهم إلى قول لا إله إلا اللّه فدعاهم والحال أن في أهل الكفر قوة تامة وامتناعا عن اتباعه ، اختلط الكفر بقلوبهم وتمكن فيها حبه حتى صارت لا تقبل غيره ، وبسبب ذلك صار داء الضلال : أي داء هو الضلال فيهم عضال يعيي الأطباء مداواته وحصول شفائه ، ثم شري الأمر - أي بالشين المعجمة وكسر الراء وفتح المثناة تحت - كثر وتزايد وانتشر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا : أي أضمروا العداوة والحقد وأكثرت قريش ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينها وتذامروا عليه - بالذال المعجمة - وحض أي حث بعضهم بعضا عليه أي على حربه وعداوته ومقاطعته ، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا : أي عقولنا ، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك حتى